الثلاثاء، 22 يناير 2013

فهد المهلل ... فوق جبال الأوليمب. محمد السعد



ما أغرب الإغريق ... وما أغرب معتقداتهم ... وما أغرب آلهتهم , إنهم الشعب الذي صنع معبوده من وحي خياله ثم خاف هذا المعبود الخيالي حتى أوصله لأعلى درجات التقديس والتبجيل .
ودائماً ما يقترن ذكر أرباب الإغريق بذكر جبال الأوليمب , هذه الجبال المقدسة في الميثولوجيا الإغريقية , والتي تعيش فوقها الآلهة الإغريقية حسب معتقداتهم الغريبة .
فالإنسان بفطرته يعشق صناعة الأبطال والأساطير من وحي خياله الخصب , ومع مرور الزمان فهو يضفي على هؤلاء الأبطال نوعاً من الهالة القدسية حتى يصل لمرحلة متقدمة من إضفاء الخرافات والأكاذيب تجعله يخشى هؤلاء الأبطال ويخاف تدنيس مكانتهم الرفيعة التي لا يصل لها الإنسان العادي .
لذلك كانت كلمة أسطورة أو ميثولوجيا هي رديف لمصطلح خرافة , ويعود أصل كلمة ( خرافة ) لرجل عربي أسمه خرافة , وقد أدعى خرافة بأن الجن اختطفته , فصار كل يوم يحكي قصص اختطافه المزعوم , ويحكي ما شاهده من أعاجيب في عالم الجن الماورائي .
مع مرور الزمن ارتبط اسم خرافة , هذا الرجل الواسع الخيال , بكل حديث أو حكاية خارجة عن المألوف أو متعسرة على التصديق , فقالوا عن الحديث المكذوب ( حديث خرافة ) , بل وضربت الأمثال بخرافة وأحاديثه العجيبة حتى قالوا ( أكذب من خرافة ) .
وقد ترتبط الخرافة بثقافة وفلكلور الشعوب , وهي تصنف ضمن الأرث أو التراث الذي يتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل , ولكل شعب وطائفة وملة خرافاتها الخاصة بها والتي صنعوها من وحي خيالهم الخصب , وهي طبعاً من الممارسات اللاعقلانية أو المذاهب اللاعقلانية للشعوب .
وعند الحديث عن الأساطير والتي تعتبر رديفاً لكلمة ( خرافة ) , فأول ما يتبادر للذهن بسرعة البرق , هو اسم ماجد عبدالله واسم سامي الجابر , لأن المجتمع الرياضي السعودي تفنن في صناعة الخرافة في هذين اللاعبين حتى أوصلهما لمراحل متقدمة من التبجيل , وهي مراحل لم يصل لها أي لاعب في تاريخ كرة القدم .
وحتى دائماً ما تتكرر مقولة شائعة عند المواطن السعودي وهي مقولة ( أسطورة لن يتكرر ) , ولماذا لن يتكرر هذا الأسطورة أو ما المانع من تكراره ؟ ببساطة لأن المواطن السعودي يعتقد بأن هذين اللاعبين يمتلكان قدرات خارقة لا يستطيع اللاعب العادي امتلاكها , وفي حقيقة الأمر لو وضعنا هذه القدرات على طاولة النقد والتمحيص العقلاني لوجدنا بأن هذه القدرات والمواصفات خارجة تماماً عن مستوى العقل والمنطق بل هي ( حديث خرافة ) كم يقال .
ولكي نتعامل مع الخرافات المنسوجة حول ماجد عبدالله وسامي الجابر , فعلينا أن نكون ديكارتيون ( نسبة لرنيه ديكارت ) صاحب النظرية الديكارتية أو مؤسس مفهوم الشك الذي أشتهر في القرون الأوروبية المظلمة , وهي فلسفة عقلانية تعني الشك في كل قديم ومتوارث للوصول للحقيقة التامة الخالية من رواسب ومخلفات الماضي , وهي تلزم الإنسان على التجرد التام من كل معلومة أو خرافة سابقة وأن يستقبل بحثه خالي مما قيل فيه خلواً تاماً , وهي فلسفة أتبعها الأديب العربي طه حسين وطبقها في كتابه المثير للجدل ( في الشعر الجاهلي ) .
ولكي نتعامل مع الخرافات المنسوجة حول الأساطير الرياضية , ونتعامل بصورة ديكارتية بحتة , فعلينا قبل كل شيء أن ننزلهم من البروج العاجية والجبال الشاهقة التي يقطنون فوقها , عندها نستطيع الجزم والتأكيد بأن ماجد عبدالله وسامي الجابر مجرد مهاجمين متوسطي الدرجة ليس إلا .
طبعاً أن تصف ماجد عبدالله أو سامي الجابر بأنهما من فئة المهاجمين متوسطي الدرجة , فهذه كارثة قومية ووطنية , قد تضعك في قائمة المخرفين والمجانين والمهرطقين , فأنت هنا تتعدى على لاعبين يمثلون فلكلور رياضي شعبي مكتظ بالخرافات حتى أذنيه .
وهذه الفلكلور الرياضي بكل خرافاته يعتبر مسلمات يقر بها الكبير والصغير المتعلم والجاهل , وحتى راعي الأغنام في البادية عندما تسأله عن ماجد عبدالله فالإجابة جاهزة : هذا أسطورة لن يتكرر .
والسؤال الذي يطرح نفسه بصورة تلقائية : أين النجوم والمواهب والمهاجمين الخارقين من هذا الفلكلور الشعبي المكتظ بالخرافات ؟
موهبة رائعة مثل فهد المهلل لماذا لم يضاف لعالم الأساطير والخرافات ولماذا لم يقطن فوق جبال الأوليمب التي ينعم عليها ماجد عبدالله وسامي الجابر .
ولو حكمنا العقل وأصبحنا ديكارتيون مؤقتا , فأنا على كل يقين بأن فهد المهلل سوف يصبح أفضل من ماجد وسامي إذا طبقنا عليهم جميعاً معايير فنية بحتة يحكمها العقل والمنطق والصدق مع الذات بعيداً عن الخرافات والأساطير .
فهد المهلل لم يصبح أسطورة ولم يقطن فوق جبل شاهق يعيش فيه لوحده فوق البشر , لأنه لم يجد من يكذب من أجله , ولم يجد من ينسج الخرافات والهلوسات من أجله , فهد المهلل لم يصبح أسطورة لأن يعيش في زمن يكثر فيه المحتالين والوشاة , هذا الزمن الذي لم يعدي يجدي فيه الصدق والمصداقية .
فالكذب هو الحل الوحيد لصناعة الأساطير الخارقة التي لا تخضع لناموس الطبيعة وقوانين البشر , ففي هذا الزمن لم يعد أحداً يخجل من الكذب حتى أوشكنا على الإعتقاد بأن الكذب أصبح فضيلة ولم يعد رذيلة كما كنا نعتقد , وكوكب الأرض برمته أصبح مسرحاً ضخماً لصناعة الأكاذيب .
وحتى الكاذب في هذا الزمن الموحش أصبح مخلوقاً مألوفاً لا يستنكره أحد , فعندما أكذب عليك وانت تكذب علي , وكلانا يوقن بأن الأخر يكذب , ومع هذا نستمر في الضحك والإبتسامة وترديد المجاملات , هكذا تكون فضيلة الكذب في زماننا .
عزيزي فهد المهلل لا تأسى ولا تحزن , فعالم الأساطير مجرد منظومة متكاملة من الأكاذيب والخداع , لذلك أنت خارج هذا العالم لأنك لم تجد من يكذب من أجلك .
لذلك أقول لك ياعزيزي : إذا كنت تريد أن تصبح أسطورة خالدة لن تتكرر , فلا تخجل وأخبرني :
كم يلزمك من الكذب ؟


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق