عند استخدام لفظتي ( كبير وصغير ) , فسوف يتسارع للذهن
مصطلحات الرياضة السعودية الأغرب من الخيال , مصطلح الأندية الكبار والأندية
الصغار , والأندية كبيرة الشأن والأندية صغيرة الشأن .
ومن المضحكات المبكيات في عالمنا الرياضي السعودي ما قاله
اللاعب الإتفاقي السابق ( حمد الدبيخي ) بخصوص الأندية الكبار , عندما قال بصريح
العبارة بأن لا يوجد إلا أربعة أندية كبار , وهم أستحقوا لقب ( كبار ) لأنه حق
أدبي أمتلكوه .
بمعنى أن نادي الإتفاق نادي صغير وسوف يظل صغير مدى
الحياة لأنه ليس من حقه الأدبي أن يكون كبيراً ( حسب نظرية الدبيخي الجهنمية ) ,
ولكن كيف أمتلك هؤلاء الأربعة السعداء هذا الحق الأدبي , فهذا هو اللغز الجديد
الذي سوف يقلق البشرية في قادم الأيام .
عموماً هذا ليس منطلقاً للحديث في هذه المقالة , فالغرائب
في عالم الكرة السعودية لا حصر لها , ولكننا نريد أن نتحدث عن الكيانات الصغيرة
التي تبحث لنفسها عن هوية ومكان وسط محاولات التشتيت والتغريب وسحق الهوية .
سوريا الصغيرة ( little Syria ) أو الحي السوري , كان
يطلق على أحد أحياء مانهاتن في مدينة نيويورك الأمريكية , وطبعاً لقب سوريا
الصغيرة هو تصغير للنموذج الأكبر سوريا وليس لأن سوريا الصغيرة لا تمتلك الحق
الأدبي لتكون كبيرة كما يقول الأخ الفاضل حمد الدبيخي أضحك الله سنه .
كان أغلب سكان هذا الحي من العرب المهاجرين من سوريا
ولبنان الذين هربوا من ظلم الإمبراطورية العثمانية , وهربوا من ويلات الفقر
والتمييز والاضطهاد الإقطاعي الرأسمالي بحثاً عن لقمة العيش المريرة .
وهؤلاء المهاجرون العرب يعتقدون ويشعرون بأنهم ما زالوا
عرباً رغم ( تأمركهم ) , ولقد شعروا بالتالي أن عروبتهم مهددة بالإنهيار والضياع
في تيار الحياة الأمريكية الجديدة , لذا فقد سارع فريق منهم بإنشاء المجلات
الأدبية والملتقيات التي تضم المثقفين العرب والصحف التي تهتم بالشأن العربي , وفي
جو هذا الصراع المرير من أجل حماية الهوية العربية المهددة بالضياع ظهرت للوجود (
الرابطة القلمية ) التي أسسها الشاعر والأديب اللبناني الكبير جبران خليل جبران
وميخائيل نعيمة وأنظم لها لاحقاً شاعر المهجر الشهير إيليا أبو ماضي .
وما كان يقاسيه عرب المهجر في بلادهم الأصلية , فنحن معشر
الشبابيين نقاسيه ونعاني بسببه في هذا الزمن , وقبل الحديث عن نادي الشباب وهويته
المهددة بالضياع , فعلينا أن نفرق ما بين نادي الشباب قبل قدوم خالد البلطان وبعد
قدومه .
شباب ما قبل البلطان وشباب ما بعد البلطان , والفارق
بينهما شاسع , والهوة بينهما عميقة , ولا يوجد أي رابط ما بين شباب ما قبل البلطان
وشباب مابعد البلطان , فهما مختلفان في كل صغيرة وكبيرة .
شباب ما قبل البلطان هذا الكيان الرائع النموذجي الذي
يضرب فيه المثل في الرقي والتسامح لم يعد له وجود وكأنه تعرض لطوفان جديد مسح
هويته ومزقها تمزيقاً هائلاً .
هذا الكيان الشبابي الذي كان أكاديمية متقدمة في إعداد
المواهب الشابة ورعايتها , أًصبح محرقة حقيقة لكل موهبة , ونحن منذ أكثر من سبع
سنوات ونحن ننتظر قدوم موهبة ناشئة ترمم هذا الكيان الممزق ولكن يبدو أن انتظارنا
طويل ويبدو بأنه بلا طائل .
نادي لا يستطيع تقديم موهبة شابة وإعطاءها الفرصة الكاملة
حتى تبرز ويستفيد منها النادي والمنتخب هذا ليس بنادي كرة قدم , نادي الشباب ولمدة
ثمان سنوات تقريباً لم يستطع تقديم موهبة واحدة ناشئة , ومدة ثمان سنوات لم يستطع
الفريق التدرج في صناعة موهبة واحدة عبر الفئات السنية حتى تصل للفريق الأول ومن
ثم للمنتخب .
طوال هذه الفترة ونحن نعتمد اعتماداً كلياً على اللاعب
الجاهز الذي يسد ثغرات الفريق , ونتعامل بمبدأ ( الترقيع ) في الفريق الأول حتى
يستطيع إكمال الموسم على خير .
هل رأيت ياعزيزي القارئ مقدار الضياع والتشتت الذي يعانيه
نادي الشباب الذي كان في يوم من الأيام أكاديمية رفيعة المستوى في تقديم المواهب
والنجوم الذي أبهروا العالم بأسره .
هذا النادي الجديد المشوه ليس هو نادينا الذي عشقناه منذ
الصغر , وهوية الشباب القديم الذي عشقناه في طريقها نحو الزوال والإضمحلال في قادم
الأيام .
أنا لست من أنصار الماضي ولست من أنصار التراث والتقليد ,
ولم أكن في يوم من الأيام معادياً للتجديد والتطوير , ولكن لماذا تاريخنا العريق
يفصل بهذه الطريقة الإستفزازية عن حاضرنا ومستقبلنا , لماذا حاضرنا لا يصبح
إمتداداً مطوراً لماضينا .
الإدارة الشبابية الحالية وبأسلوبها الإداري المبتدع , هي
تدمر النادي ببطئ وبدون وعي منها , الإدارة الشبابية الحالية وكما هو واضح للعيان
تمزق هوية الكيان , ويبدو أنها تعادي وتكره الشباب القديم وبصورة سافرة لا ينكرها
عاقل , والشواهد يراها حتى الأعمى .
في نادي الهلال , لا يوجد رئيس هلالي يتجرأ بالتطاول على
نجوم هلاليين سابقين أمثال : يوسف الثنيان وسامي الجابر ونواف التمياط ومحمد
الدعيع وخالد التيماوي وصالح النعيمة , لأنهم يمثلون تاريخ الهلال , ونادي الهلال كيان
ذو عراقة ويمتلك هوية متينة لا يستطيع أحد المساس بها , بالرغم أن نادي الهلال
تاريخياً هو مجرد ابن من أبناء نادي الشباب .
ولكن لماذا الإدارة الشبابية الحالية تستطيع وبدون خوف من
أحد أن تجعل من جيل شبابي كامل مجرد ( طابور خامس ) , وطابور خامس تعني خائن و
متأمر و عميل , هل يعقل أن يتحول نجوم الجيل الذهبي لعملاء وخونة ومتأمرين .
وحتى الإدارات الشبابية السابقة انقلبت لإدارات ضعيفة لا
تستطيع الحفاظ على حقوق وممتلكات النادي , واللاعب السابق عند زيارته للنادي ولو
بشكل عابر , فكل الإنظار المتخوفة تتجه إليه رهبة وخوفاً , لأن هذا اللاعب السابق
قدومه للنادي يعني أنه يريد سرقة اللاعبين والسمسرة من ورائهم , وهذه حقيقة
نعايشها , أصبحنا نتوجس خيفة من اللاعب الشبابي السابق عند زيارته للنادي , ولسان
حال المشجع الشبابي يقول : ( الله يستر لا يكون مرسول من أندية أخرى ) .
هكذا يتعامل الشباب الجديد مع الشباب القديم , وهكذا يسعى
الشباب الجديد لتمزيق هوية الشباب القديم وعزله والإستغناء عنه , بل تجاوز الأمر
مسألة العزل والإستغناء ووصل لمرحلة التنكيل وتشويه الصورة .
كل نادي سعودي يمتلك لونه الخاص ونكهته التي يتميز بها ,
نادي الهلال معروف بلونه الأزرق الدائم والمستمر , حتى أصبح اللون الأزرق رديفاً
لأسم الهلال , ونادي النصر هو الأخر معروف ومميز بلونه الأصفر البراق , والأهلي
كذلك بلونه الأخضر ولا يستطيع أي رئيس أن يتجرأ على المساس بقدسية هذه الألوان
مهما كانت الأسباب والمبررات .
ولكن ما بال نادي الشباب أصبح بلا لون مميز , كنا نعرف
الشباب بلونه الأبيض والأسود , ولكنه الأن أصبح معروفاً بلونه البرتقالي , وأصبح
المدرج الشبابي يطلق عليه ( المدرج البرتقالي ) !
طبعاً لأن الأطفال يحبون اللون البرتقالي قررنا
تغيير لوننا الذي تميزنا به , حتى نجذب الأطفال , وكأننا كنا مصابين بعمى ألوان
عندما عشقنا هذا الكيان منذ نعومة أظفارنا بلونه الأبيض والأسود .
ولا نعلم فقد يتغير مسمى النادي لأن كلمة ( الشباب ) لا
تجذب صغار السن ولا تجذب كبار السن , ولا تستغرب ياعزيزي القارئ لو أنقلب مسمى
نادي الشباب إلى ( نادي طيور الجنة ) أو ( نادي الفانتزي بارك ) أو نادي ( افتح
ياسمسم ) , وممكن نفتح فرع لمدينة ألعاب ديزني لاند بجانب ملعب الفريق الأول حتى
نجذب الأطفال الشطار , كل شيء جائز في هذا المجتمع الرياضي الغريب المختنق
بالعملاء والمتأمرين والطابور الخامس .
ما أحوجنا لتأسيس نادي الشباب الصغير وسط أسوار هذا المسخ
الكبير , لكي نحافظ على ما تبقى من هويتنا وتاريخنا العريق , حتى يعود نادي الشباب
الجميل الذي عشقناه وعشقه الجميع .
أكررها للمرة المليون , هوية الشباب في خطر , ولو أستمر
الحال كما هو , فالكيان الشبابي مقبل على تحديات ومصاعب , وقد يكون مصيره نحو
السقوط والدمار .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق